18 ديسمبر، 2010

حديث الأوز في التعليم المصري

JAN29

عنوان يثير الدهشة والاستغراب نوعا ما ، لكني أعدك بأن أزيل هذه الدهشة عنك إذا قرأت ما بهذا المقال واستوعبت وجهة نظري فيه . منذ أيام صعقنا بما قرأناه عن قرارات وزارة الصحة بشأن العلاج في المستشفيات الحكومية " فيما يعني خصخصة العلاج " . اليوم أتعرض إلي نوع آخر من الخصخصة التي شهدها العصري المباركي الحالي لنتأكد أن الفقراء لم يعد لهم نصيب في بلادنا .

الخصخصة التي أرنو إليها هي خصخصة التعليم ، ولست في موضع شرح أو توضيح لما هي الإجراءات المتخذة من أجل المضي قدما في هذا الطريق الأسود ، ولكن ما أود الخوض فيه وجهة النظر التي يراها البعض منا في أن خصخصة التعليم وخاصة التعليم الجامعي هي الحل الصحيح والطبيعي ، علي الرغم من أن معظم من يدعي وجهة النظر هذه قد تعلم في جامعات مصر بالمجان .

سأتوقف قليلا عن الكلام في هذا المقال ، وسأفسح المجال لكاتبنا الراحل عميد الأدب العربي طه حسين ، فهو أفضل من يتكلم عن مثل هذا الموضوع ، فهذا الرجل لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب ، لقد ذاق مرارة الفقر وويلاته واكتوي بناره وعرف ما يعانيه الفقير الطامح في طلب العلم .

في كتابه الرائع " جنة الحيوان " الذي نشر في علم 1950 يذكر في في فصل من فصوله بعنوان " حديث الأوز " حادثة لشخصية جحا عندما زعم للقاضي أنه يستطيع أن يدخل عشرين رجلا علي تسعة عشر أوزة ويخرج كل رجل ومعه واحدة من الأوز ، ففعل له القاضي ما أراد ، إلي أن جاء آخر رجل لا يحمل معه شيء ، والمغزي من هذا المثال السخرية من الذين يريدون نشر اتعليم بغير حساب فيعترض كاتبنا علي هذا قائلا " لو أن جحا أصلح الأوز وهيأه للطعام لجاز أن يغذي بهن مائة أو مئات من الناس دون أن يوقع بين صراع أو قراع " ويكمل في فقرة اخري " وقد أراد الله بالمصريين خيرا فلم يجعل العلم أوزا وإنما جعل العلم شيئا كهذا الهواء الذي يملئ به الجو ويستطيع الناس جميعا أن يتنفسوه " .

وفي فصل آخر ، قال واصفا الأيام التي يستقبل فيها الناس العام الدراسي الجديد " ولكن هذا الأيام عندنا ليست أيام ابتهاج باسم أو اكتئاب هادئ ، وإنما هي أيام الحزن الممض والشقاء الملح والعذاب الأليم ، وهي الأيام التي يجب أن يشقي فيها الآباء والأمهات ليجدوا لأبنائهم ما ينفقون ليؤدوا عنهم أجور التعليم " .

ثم يكمل حديثه بكلمات تشعر وكأنه قد كتبها في هذه الأيام المباركة التي نعيشها في مصر " وأجور التعليم في مصر ليست سهلة ولا يسيرة ، وانما هي أجور ثقيلة عسيرة وقد فرضت علي أساس أن الأمة غنية أو أن التعليم حق للأغنياء دون غيرهم من الناس " .

لاحظ أنه يصف حال المصريين قبل أن تأتي ثورة يوليو لتأكد علي أن التعليم حق للجميع بالمجان من المرحلة الابتدائية وحتي الجامعة .

ويأتي برد قاطع علي مرتدي الزي الأوربي والأمريكي من المصريين  الذين يحاربون مجانية التعليم في بلادنا إلي أن ألغيتها تقريبا .

يقول طه حسين " إن الطالب الأوربي ينفق أكثر أيامه لا يكلف أهله شيئا من نفقات التعليم لأن الدولة تعلمه بلا أجر ، فإذا أتم تعليمه الثانوي وأراد أن يتصل بالجامعة فهو في بعض البلاد لا يكلف أهلة شيئا ، فليعلم المصريون أن مصروفات كليات الأداب والعلوم في فرنسا لا تزيد علي سبعين قرشا في العام أي انها لا تبلغ ما يدفعه الطالب عندنا رسما للمكتبة أو الاتحاد " .

ويكمل ناقدا وزارة المعارف " ويعرفها رجال وزارة المعارف وأساتذة الجامعتين الذين تعلم أكثرهم علي حساب الدولة بالمجانية في مصر وأوربا " يقصد البعثات التي كانت ترسل في عهد محمد علي إلي أوربا للتعلم علي حساب الدولة " لأن الدولة كانت محتاجة إلي المتعلمين ، ثم هم يقاومون المجانية ما وجدوا إلي مقاومتها سبيلا ويسلكون الطرق الملتوية إذا لم يستطيعوا أن يسلكوا إليها الطرق المستقيمة ، يرفعون نفقات الطعام والكتاب ويحسبون أن يحتفظون بالمجانية " .

وهذا هو ما يحدث في مصر الآن ، إنه حديث الأوز في التعليم ، التحايل علي مجانية التعليم إلي أن تم إلغائها فعليا ، بحجة أن العدد الكبير لا يمكنه التعلم بصورة جيدة ، فإذا كانت المصروفات الجامعية مازالت غير مرتفعة ، ففي بعض الكليات يصل سعر الكتاب للمادة الواحدة ما يبلغ ضعفي المصروفات التي يدفعها الطالب في العام كله ، بالإضافة إلي مهازل الأقسام الخاصة التي يتعلم فيها الطلاب بآلالاف الجنيهات .

ما أود أن أقوله أخيرا لكل مسئول في البلاد عن التعليم ، ولكل شخص استفاد من مجانية التعليم وهو الآن يحاربها ، إن فساد التعليم لا شأن له بكونه مجاني أو غير ذلك ، انما الفساد يرجع للإدراة السيئة للعملية التعليمية في دولة استباحت حقوق الفقراء من الشعب وظنت أن الشعب كله من عينة المهندس أحمد عز ، فلم تراعي أي حق ، ولم تسكن في قلوبها ذرة من الرحمة ، أرجوكم ارحموا هذا الشعب .